خيرة الفيفي : جازان
قال الله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2].
آيةٌ لو استقرت حقيقتها في القلب، لأعادت ترتيب كثيرٍ من مخاوف الإنسان.
فما يفتحه الله لك من رحمة أو رزق أو توفيق أو فرج، لا يملك أحدٌ أن يغلقه؛ وما أراد سبحانه أن يبلغك، فلن تستطيع قوة في الأرض أن تحول بينك وبينه. قد تُغلق في وجهك أبوابٌ كثيرة، وقد تنقطع أسبابٌ ظننت أن حياتك معلّقة بها، لكن خزائن الله لا تنفد، وأبوابه لا تُغلق.
وفي المقابل، ما يمسكه الله عنك فليس بالضرورة حرمانًا، بل قد يكون عين الرحمة في صورة المنع. فنحن نرى اللحظة، والله يعلم مآلاتها؛ نرى رغباتنا، وهو سبحانه يعلم أين يكمن خيرنا. ولذلك ختم الآية بقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ عزيزٌ لا يُغالب، حكيمٌ لا يقدّر شيئًا عبثًا.
ويزداد هذا اليقين رسوخًا حين يقول سبحانه: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22].
فالأرض مليئة بالأسباب، لكن الأسباب ليست هي الرازق. الوظيفة سبب، والتجارة سبب، والناس أسباب، والأبواب أسباب؛ أما الرزق فمن الله وحده. ولهذا لا ينبغي أن يعلّق الإنسان قلبه بسبب، ولا أن يعتقد أن بشرًا يملك أن يقطع عنه ما كتبه الله له.
قد يُغلق إنسانٌ بابًا، فيفتح الله أبوابًا لم تخطر لك على بال. وقد تفقد شيئًا ظننته خيرك كله، ثم تكشف لك الأيام أن نجاتك كانت في فقده؛ {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216].
وحين يستقر هذا اليقين في القلب، تتغير نظرتك للحياة: تسعى دون هلع، وتأخذ بالأسباب دون أن تتعلق بها، ولا تنكسر أمام بابٍ أُغلق، ولا تخشى على رزقك من أحد.
فما كُتب لك سيبلغك، وما صُرف عنك فلحكمة، وما عند الله لا يستطيع أحدٌ أن يحول بينك وبينه.
وهنا تبدأ الطمأنينة الحقيقية:
أن تعمل وكأن عليك السعي كله، وتطمئن وكأن الأمر كله لله؛ لأن الأمر، في الحقيقة، كله لله...