خيرة الفيفي / جازان
ليست كل علاقة تستحق أن تُنقذ، ولا كل إساءة تستحق جوابًا، ولا كل خلاف يستحق أن نخوضه حتى النهاية. أحيانًا تكون الحكمة في الانسحاب الهادئ؛ أن تختار سلامك بدل انتصار عابر في معركة تستنزف روحك، وأن تدرك أن بعض الأبواب لا تُغلق كراهيةً لمن خلفها، بل رحمةً بمن يقف أمامها.
ولعل أعمق ما يصف هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. فالهجر الجميل ليس مجرد ابتعاد، بل مقام أخلاقي وروحي: أن تترك من آذاك دون انتقام، وأن تمضي دون تشهير أو خصومة، وألا تسمح للأذى أن يتحول في قلبك إلى ضغينة. تترك الأمر لله، وتحفظ روحك من أن تحمل معها ما يؤذي صفاءها.
فليس كل صمت ضعفًا، كما أن ليست كل مواجهة شجاعة. أحيانًا يكون الصمت أبلغ من الرد، والابتعاد أحكم من العتاب المتكرر. والنضج أن تعرف متى يكون الحوار إصلاحًا، ومتى يصبح استنزافًا؛ فالعمر أقصر من أن يُهدر في محاولة إقناع من لا يريد أن يفهم، أو إصلاح علاقة لا يريد أطرافها إصلاحها.
نحن نتعلق لأننا نخشى الفقد، ونظن أحيانًا أن بعض الأشخاص لا يُعوَّضون، لكن الحياة أوسع من شخص، ورحمة الله أوسع من باب أُغلق. «وفي الناس أبدالٌ، وفي الترك راحة»؛ لا بمعنى أن البشر يُستبدلون، بل بمعنى ألا نجعل سعادتنا وسلامنا رهينة إنسان واحد. فما يغيب من حياتنا قد يفتح فيها مساحة لشيء أصفى: إنسان أجمل، أو عزلة ناضجة، أو عودة أعمق إلى الذات، أو قربٍ من الله.
ومع ذلك، فالهجر الجميل ليس دعوة إلى الرحيل عند أول خلاف؛ فالعلاقات الحقيقية تحتاج صبرًا وحوارًا وتسامحًا. لكن الصبر لا يعني قبول الأذى بلا نهاية، والوفاء لا يعني أن نخسر أنفسنا حتى لا نخسر أحدًا. الحكمة أن تمنح العلاقة حقها من الإصلاح، ثم تعرف متى يكفي.
فإذا جاء وقت الرحيل، فارحل خفيفًا: لا تنتقم، لا تؤذِ، ولا تجعل غيابك عقوبة. اترك لله ما عجزت عن إصلاحه، وامضِ بقلب لا يحمل إلا السلام. فبعض الانتصارات لا يسمع بها أحد؛ تحدث بصمت، في اللحظة التي تختار فيها ألا تخسر نفسك وأنت تحاول الاحتفاظ بالآخرين...