بقلم: الدكتور تركي بن محمد النماصي : الطائف
مقدمة :-
لم تعد التحديات التي تواجه الأفراد والمؤسسات والدول مرتبطة بغياب الأهداف بقدر ارتباطها بغياب الرؤية الشاملة التي تجمع تلك الأهداف وتوجهها نحو مستقبل مستدام؛ فقد تحقق المؤسسات أهدافًا متعددة دون أن تحدث تحولًا جوهريًا، مما يثير تساؤلًا فلسفيًا حول العلاقة بين تحقيق الأهداف وصناعة المستقبل.
ومن هذا المنطلق، طرحت في كتابي "نظرية إصلاح المجتمع وتطوير التعليم" مفهوم علم الرؤية (Visionology)، بوصفه إطارًا معرفيًا وعلميًا مقترحًا يجمع بين فلسفة الغايات، واستشراف المستقبل، والتخطيط الاستراتيجي، والإبداع، وقياس الأثر، بهدف الانتقال من إدارة الأهداف المنفصلة إلى صناعة المستقبل ضمن رؤية متكاملة.
مفهوم علم الرؤية وفلسفته
يمكن تعريف علم الرؤية إجرائيًا بأنه مجال معرفي متعدد التخصصات يُعنى بدراسة بناء الرؤى المستقبلية للأفراد والمؤسسات والدول، انطلاقًا من تحليل الواقع واستشراف التحولات، وتحديد الغايات الكبرى، ودمج الأهداف والإبداع في منظومة مترابطة قابلة للتطبيق والقياس والتجديد.
وتقوم فلسفته على أن الرؤية تحدد المستقبل المرغوب، والأهداف تحول هذا المستقبل إلى نتائج قابلة للتحقيق، بينما يوفر الإبداع الوسائل والبدائل المبتكرة للوصول إليه؛ وبذلك تصبح العلاقة بين هذه العناصر تكاملية وليست خطية، حيث تتطور الأهداف والوسائل تبعًا للمتغيرات، مع المحافظة على الاتجاه العام للرؤية؛ ويتسق هذا التصور مع تناول van der Helm (2009) للأسس النظرية للرؤى المستقبلية وعمليات بنائها.
نحو تأسيس علم أكاديمي مستقل
إن الدعوة إلى تأسيس علم الرؤية لا تعني إلغاء التخطيط الاستراتيجي أو الدراسات المستقبلية، وإنما تسعى إلى بناء إطار تكاملي يستفيد من هذه التخصصات ويعيد تنظيم العلاقات بينها.
ولتحويل هذا التصور إلى مجال أكاديمي قابل للدراسة، تبرز الحاجة إلى تطوير نموذج نظري يحدد متغيراته وعلاقاته، وبناء أدوات تقيس وضوح الرؤية وتكامل الأهداف والقدرة الإبداعية واستدامة الأثر، ثم اختبار هذه العلاقات من خلال دراسات علمية محكمة. ويمكن أن يبدأ تدريسه ضمن برامج الدراسات المستقبلية والقيادة والإدارة والتربية والابتكار، تمهيدًا لدراسة إمكانية تطويره إلى تخصص مستقل في ضوء ما تنتجه الأبحاث من أدلة علمية.
المبررات العلمية لتوظيف مصطلح علم الرؤية (Visionology)
أجرى الباحث عددًا من عمليات البحث والاستقصاء في الأدبيات العلمية، ولاحظ استخدام مصطلح (Visionology) في سياقات مرتبطة بالإبصار والإدراك البصري وعلوم العيون، دون أن يتوصل، في حدود بحثه، إلى توظيف أكاديمي راسخ للمصطلح في مجال بناء الرؤى المستقبلية.
ومن هذا المنطلق، يقترح الباحث توسيع الدلالة الاصطلاحية لمفهوم (Visionology) ليشمل علم الرؤية المستقبلية في المجالات الأكاديمية والتربوية والإدارية، أسوةً بمصطلح «الاستراتيجية» الذي ارتبط تاريخيًا بالمجال العسكري، ثم اتسع استخدامه ليشمل التعليم والإدارة والاقتصاد وغيرها من التخصصات.
ويستند هذا التوجه إلى عدة مبررات، أبرزها:
1. التأصيل العلمي: دراسة الرؤية بوصفها مجالًا معرفيًا قائمًا على أسس فلسفية ونظرية ومنهجية.
2. وضوح الرؤية المستقبلية: دراسة كيفية بناء رؤى شاملة توجه الأفراد والمؤسسات والدول نحو غايات محددة.
3. استشراف المستقبل: الانتقال من دراسة الواقع والتنبؤ بالتحولات إلى بناء تصورات مستقبلية قابلة للتطبيق.
4. تكامل الأهداف: ربط الأهداف الجزئية بالغايات الكبرى ضمن رؤية مستقبلية موحدة.
5. المرونة والتجديد: تطوير الرؤى وفق المتغيرات، والاستفادة من مبادئ الأنظمة المفتوحة والعودية أو التكرار التأملي (Recursion).
6. قياس الأثر والاستدامة: تطوير مؤشرات علمية لقياس فاعلية الرؤى واستمرارية نتائجها.
7. التوظيف الأكاديمي: فتح المجال أمام الجامعات ومراكز البحوث لدراسة علم الرؤية وتطوير مناهجه وأدواته، تمهيدًا للنظر في إمكانية اعتماده مجالًا أكاديميًا مستقلًا.
ويتطلع الباحث إلى تأليف كتاب علمي بعنوان "علم الرؤية ومبدأ الإبداع التدرجي"، يسعى من خلاله إلى تأصيل المفهوم فلسفيًا وعلميًا، وتوسيع استخدامه في المجالات الأكاديمية والتربوية والتنموية، تمهيدًا لدراسة إمكانية اعتماده مجالًا معرفيًا مستقلًا.
الأسس الفلسفية وعلاقتها بفكر ويليام دول
يمكن الاستفادة من فلسفة ويليام دول (William E. Doll Jr.) في التأصيل النظري لعلم الرؤية؛ إذ تناول في دراسته عام 1989 الأنظمة المفتوحة، والتعقيد، والتغيير التحولي، مؤكدًا أهمية تجاوز النماذج الخطية الجامدة إلى منظومات تفاعلية قابلة للتجدد.
كما قدم دول في عمله الصادر عام 1993 أربعة مرتكزات (4Rs) لبناء المناهج، يمكن الاستفادة منها في تطوير علم الرؤية: الثراء (Richness)، الذي يفتح المجال لتعدد المعاني والاحتمالات؛ والعودية أو التكرار التأملي (Recursion)، التي تعني العودة إلى الخبرات والأهداف لإعادة تفسيرها وتطويرها، لا تكرار الإجراءات آليًا؛ والعلاقات (Relations)، التي تبرز الترابط بين عناصر المنظومة؛ والصرامة الفكرية (Rigor)، التي تؤكد أهمية التحليل النقدي واختبار الافتراضات والبدائل.
ورغم أن هذه المرتكزات نشأت في فلسفة المناهج التربوية، فإنها تقدم أساسًا فكريًا يمكن الإفادة منه في دراسة الرؤية بوصفها منظومة ديناميكية. ويختلف التصور المقترح لعلم الرؤية في اتساع نطاقه ليشمل الفرد والمؤسسة والدولة، وتركيزه على تكامل الغايات والأهداف والإبداع والأثر المستدام.
علم الرؤية واستشراف المستقبلِ
لا يقتصر علم الرؤية على توقع المستقبل، وإنما يسعى إلى دراسة المستقبل المرغوب وتحديد القرارات والإجراءات التي تزيد احتمالات تحقيقه. فالاستشراف يستكشف السيناريوهات الممكنة، بينما تحدد الرؤية الاتجاه المستقبلي، وتترجم الأهداف هذا الاتجاه إلى برامج، ويتيح الإبداع تطوير حلول تتجاوز الوسائل التقليدية.
ومن هنا يمكن اقتراح دورة منهجية لعلم الرؤية تبدأ بتحديد الهوية والقيم، وتحليل الواقع، واستشراف المستقبل، وصياغة الغاية الكبرى، ثم بناء الأهداف والاستراتيجيات، وتوظيف الإبداع في تنفيذها، وصولًا إلى قياس الأثر والمراجعة المستمرة. ويتميز هذا التصور بمبدأ الاستقرار النسبي للغايات والمرونة المتجددة للأهداف والوسائل، بما يسمح للمؤسسات بالتكيف مع التحولات دون فقدان اتجاهها الاستراتيجي.
الخاتمة
يمثل علم الرؤية محاولة فكرية لتجاوز الفصل بين الأهداف والإبداع والاستشراف، وبناء منظومة متكاملة تجعل المستقبل موضوعًا للفهم والتخطيط والتأثير، لا مجرد نتيجة يُنتظر حدوثها.
وتكمن الإضافة العلمية المقترحة في النظر إلى الرؤية بوصفها منظومة مستمرة تتفاعل فيها الغايات والأهداف والإبداع مع المتغيرات المستقبلية، ويُقاس نجاحها بعمق التحول واستدامة الأثر؛ ومن ثم فإن تأسيس علم الرؤية يتطلب جهدًا بحثيًا تراكميًا ينتقل من التأصيل الفلسفي إلى بناء النماذج واختبارها.
وفي إطار التوجهات البحثية المستقبلية، يتطلع الباحث إلى تأليف كتاب علمي متخصص بعنوان مبدئي «علم الرؤية ومبدأ الإبداع التدرجي»، يسعى من خلاله إلى تطوير الأسس الفلسفية والنظرية لعلم الرؤية، ودراسة العلاقة بين الأهداف والرؤية والإبداع، وتقديم مبدأ الإبداع التدرجي بوصفه تصورًا مقترحًا لتفسير تطور الأفكار الإبداعية وانتقالها من مراحل التكوين إلى الابتكار والتحول، كما يطمح إلى بناء نماذج تطبيقية قابلة للبحث والاختبار، بما يسهم في إثراء الدراسات المستقبلية، ويفتح المجال أمام دراسة علم الرؤية بوصفه تخصصًا معرفيًا محتملًا في الجامعات ومراكز البحوث.
"الرؤية تحدد المستقبل، والأهداف ترسم مساراته، والإبداع يبتكر وسائله، والأثر المستدام يشهد على نجاحه".
المراجع
1. النماصي، تركي بن محمد. (2026). نظرية إصلاح المجتمع وتطوير التعليم. ف 4، دار تكوين للنشر والتوزيع، ط 1، ص ص60 - 75.
2. Doll, W. E., Jr. (1989). Foundations for a post-modern curriculum. Journal of Curriculum Studies, 21(3), 243–253. https://doi.org/10.1080/0022027890210304
3. Doll, W. E., Jr. (1993). A Post-Modern Perspective on Curriculum. Teachers College Press.
4. van der Helm, R. (2009). The vision phenomenon: Towards a theoretical underpinning of visions of the future and the process of envisioning. Futures, 41(2), 96–104...