google-site-verification=WQuzcFxLPdD-WoqkUFDGXuKU4BWM7WZhbxfHb5SFPoA

الأخبار و التقارير الإعلامية

من التعليم الريادي إلى التمكين الريادي، كيف يصبح الطالب صانعًا لتعلّمه؟

لم يعد السؤال الأهم في التعليم اليوم: ماذا نعلّم الطالب؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعلّمه؟ على مدى سنوات طويلة ركزت النظم التعليمية على المحتوى، والكتاب، والاختبار..
بقلم: د. تركي بن محمد النماصي
باحث في الشؤون التعليمية والموهوبين والثقافة المالية للنشء.

لم يعد السؤال الأهم في التعليم اليوم: ماذا نعلّم الطالب؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعلّمه؟
على مدى سنوات طويلة ركزت النظم التعليمية على المحتوى، والكتاب، والاختبار، وكمية المعرفة التي يستطيع الطالب استدعاءها؛ ومع التحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة، لم يعد امتلاك المعرفة وحده كافيًا، فالمستقبل يحتاج إلى طالب قادر على التفكير، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، وتحويل المعرفة إلى فكرة، والفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى أثر حقيقي.
من هنا برز التعليم الريادي بوصفه أحد الاتجاهات الحديثة التي تسعى إلى تنمية المبادرة والإبداع والابتكار وحل المشكلات لدى المتعلمين، وتؤكد الأدبيات أن التعليم الريادي يتجاوز مجرد إعداد الطالب لإنشاء مشروع تجاري، إلى بناء مجموعة أوسع من الكفايات الشخصية والاجتماعية والاقتصادية، مثل المبادرة والثقة بالنفس والتخطيط واتخاذ القرار.
لكن السؤال الذي حاولت أن أذهب به خطوة أخرى هو: هل يكفي أن نعلّم الطالب الريادة، أم يجب أن نمكّنه من ممارستها داخل عملية التعلم نفسها؟
من هذا السؤال جاءت فكرة بحثي "التعليم القائم على التمكين الريادي في التعليم العام"، الذي قُدم ونُشر ضمن أبحاث المؤتمر الدولي الرابع للإدارة والقيادة التربوية 2026؛ والبحث لا ينطلق من إلغاء التعليم الريادي، بل من البناء عليه ونقله من مستوى تعليم المهارات الريادية إلى مستوى أعمق، يتمثل في تمكين الطالب من قيادة جزء متزايد من تعلمه وتحمل مسؤولية نتائجه.
فالفرق بين التعليم الريادي والتمكين الريادي يشبه الفرق بين أن نشرح للطالب كيف يقود السيارة، وبين أن نمنحه، بالتدرج وتحت الإشراف، فرصة القيادة الفعلية.
وتتحدد خطوات دورة التعليم القائم على التمكين الريادي بالصورة الآتية: مشكلة أو فرصة حقيقية، البحث والاستقصاء، ثم تحديد الفكرة والقيمة المراد إنتاجها، ثم التخطيط وتوزيع الأدوار واتخاذ القرارات، ثم التنفيذ والتجريب، ثم المتابعة والتأمل في النتائج، ثم التحسين والتطوير، ثم إنتاج حل أو منتج ذي قيمة، ثم العرض والتقويم المرتكز على التعلم والقيمة والأثر، ثم التوثيق وحفظ الحقوق، ثم الامتداد إلى المجتمع أو المسابقات أو الجهات ذات العلاقة، ثم التغذية الراجعة، ثم بدء دورة جديدة.
أما عند فشل التجربة أو تعثر المشروع فلا تتوقف الدورة، بل يسير الطالب في مسار مصغر: تعثر ← تحليل السبب ← تغذية راجعة ← تعديل ← إعادة المحاولة
في التعليم القائم على التمكين الريادي لا يبقى الطالب مستقبلًا للتعليمات طوال الوقت، ولا يبقى المعلم المصدر الوحيد للقرار، بل تتغير الأدوار تدريجيًا، يبدأ الطالب في مستوى التمكين الموجّه، ثم ينتقل إلى التمكين التشاركي، وبعد اكتسابه الخبرة يصل إلى التمكين شبه المستقل، ثم إلى التمكين المستقل المسؤول؛ وهنا لا تعني الاستقلالية غياب المعلم، بل تحوله من ناقل للمعرفة إلى مصمم للبيئة التعليمية، وموجه، وميسر، ومراقب لجودة التعلم.
وهذا التحول يحتاج، بحسب التصور الذي قدمه البحث، إلى أربعة أبعاد مترابطة.
أولها البيئة المحفزة، لأننا لا نستطيع أن نطلب من الطالب المبادرة في بيئة تعليمية تعاقب المحاولة والخطأ أو تجعل كل القرارات مركزية، وثانيها خفض عبء المحتوى، والمقصود هنا ليس إضعاف المناهج أو خفض مستوى المعرفة، وإنما إعادة التوازن بين كمية المعلومات والوقت المتاح للتفكير والتطبيق والإنتاج، فالطالب الذي يقضي معظم وقته في ملاحقة كم كبير من المحتوى قد يعرف أشياء كثيرة، لكنه قد لا يجد فرصة كافية لاستخدام ما يعرفه.
أما البعد الثالث فهو الوعي الإدراكي بالتعلم، أي أن يعرف الطالب ماذا يتعلم، ولماذا يتعلمه، وكيف يتعلمه، وكيف يقيّم تقدمه. فالغاية ليست طالبًا ينفذ التعليمات بإتقان فقط، وإنما طالب يفهم عملية تعلمه ويستطيع إدارتها وتطويرها.
ثم يأتي البعد الرابع، وهو التقويم المرتكز على الأثر. وهنا ننتقل من السؤال التقليدي: كم حصل الطالب في الاختبار؟ إلى سؤال أوسع: ماذا أنتج؟ ما المشكلة التي عالجها؟ ماذا تغير في معرفته وسلوكه وقدرته على العمل؟ وما الأثر الذي تركه تعلمه؟
وهذه الفكرة تتفق مع التحولات التي شهدها التعليم الريادي نفسه، فالدراسات تشير إلى أن البرامج الريادية يمكن أن تنمي التفكير الاستراتيجي واتخاذ القرار والتوجه نحو المبادرة، وقد أظهرت دراسة تدريبية وجود تحسن دال في هذه الجوانب بعد تطبيق برنامج قائم على مهارات التعليم الريادي؛ كما تشير دراسات أخرى إلى أهمية توفير بيئة تعليمية داعمة للابتكار والإبداع، وربط التعلم بالتطبيق والمشروعات الواقعية.
لكن التمكين الريادي الذي أطرحه يتجاوز تخصيص مقرر لريادة الأعمال أو إقامة أسبوع للابتكار، الفكرة هي أن تصبح الريادة طريقة في التعلم.
ففي الرياضيات، على سبيل المثال، لا يكتفي الطالب بحل مسألة عن النسبة المئوية والربح والخسارة، بل يمكن أن يُكلّف بدراسة مشكلة مالية أو تجارية حقيقية، وبناء نموذج حسابي لها، والمفاضلة بين البدائل، واتخاذ قرار، ثم الدفاع عنه أمام زملائه، وفي اللغة العربية، لا يقتصر التعلم على معرفة عناصر المقال، بل يمكن أن يحدد الطلاب قضية في مجتمعهم، ويجمعوا معلومات عنها، ويكتبوا محتوى إعلاميًا لمعالجتها، ثم يقيسوا أثر الرسالة التي أنتجوها.
وهنا تتحول المعرفة من مادة للاختبار إلى أداة للحياة.
التعليم القائم على التمكين الريادي لا يريد أن يحول جميع الطلاب إلى رجال أعمال، فهذه ليست الغاية؛ الغاية أن نخرج طالبًا يمتلك عقلية ريادية، يبادر، ويفكر، ويجرب، ويتعلم من الخطأ، ويبحث عن الفرص، ويتخذ القرار، ويتحمل مسؤوليته، ويستطيع أن يحول المعرفة إلى قيمة.
ولهذا فإن المدرسة في المستقبل لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد الحصص التي أكملتها أو صفحات المقرر التي انتهت منها، وإنما بما استطاعت أن تبنيه في طلابها من قدرة على التعلم والاستقلال والإنتاج.
لقد أكدت دراسات التعليم الريادي أن التعليم يمكن أن يسهم في بناء الإبداع والابتكار والمبادرة والثقة، وأن البيئة التعليمية الداعمة عنصر جوهري في نجاح هذا التوجه، كما أن تطبيق التعليم الريادي في المدارس يرتبط بإنتاج المعرفة وتوظيفها والانتقال نحو مجتمع المعرفة، وليس بمجرد التدريب على إنشاء الأعمال.
ولهذا فإن المرحلة القادمة في تطوير التعليم قد لا تكون في إضافة مزيد من المعلومات إلى المناهج، وإنما في إعادة توزيع المسؤولية داخل عملية التعلم، ومنح الطالب مساحة أكبر للفهم والاختيار والتجريب والإنتاج، مع بقاء التوجيه المهني والتربوي للمعلم.
التعليم الريادي يعلّم الطالب كيف يفكر بعقلية الريادي، أما التعليم القائم على التمكين الريادي فيمنحه المساحة ليستخدم هذه العقلية فعليًا.
وهنا يكمن التحول الذي ناقشه بحثي المنشور في المؤتمر الدولي الرابع للإدارة والقيادة التربوية، الانتقال من تعليم الطالب عن الريادة، إلى تمكينه بالريادة، ومن تلقي المعرفة إلى صناعة الأثر، وهذا في تقديري، أحد المسارات التي تستحق التجريب والدراسة في التعليم العام، لأننا حين نمكّن الطالب من التعلم اليوم، فإننا لا نعدّه لاختبار الغد فقط، بل نعدّه لحياة لا نعرف بعد جميع وظائفها ومشكلاتها وفرصها...
من التعليم الريادي إلى التمكين الريادي، كيف يصبح الطالب صانعًا لتعلّمه؟
تبرع سريع